السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
457
مختصر الميزان في تفسير القرآن
قوله تعالى : وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ، المهد ما يهيأ للصبي من الفراش ، والكهل من الكهولة وهو ما بين الشباب والشيخوخة ، وهو ما يكون الإنسان فيه رجلا تاما قويا ، ولذا قيل : الكهل من وخطه الشيب أي خالطه ، وربما قيل : إن الكهل من بلغ أربعا وثلاثين . وكيف كان ففيه دلالة على أنه سيعيش حتى يبلغ سن الكهولة ففيه بشارة أخرى لمريم . وفي التصريح بذلك مع دلالة الأناجيل على أنه لم يعش في الأرض أكثر من ثلاثة وثلاثين سنة نظر ينبغي أن يمعن فيه ، ولذا ربما قيل : إن تكليمه للناس كهلا إنما هو بعد نزوله من السماء فإنه لم يمكث في الأرض ما يبلغ به سن الكهولة ، وربما قيل : إن الذي يعطيه التاريخ بعد التثبت أن عيسى عليه السّلام عاش نحوا من أربع وستين سنة خلافا لما يظهر من الأناجيل . والذي يظهر من سياق قوله : فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ، أنه لا يبلغ سن الشيخوخة ، وإنما ينتهي إلى سن الكهولة ؛ وعلى هذا فقد أخذ في البيان كلامه في طرفي عمره : الصبي والكهولة . قوله تعالى : قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ، خطابها لربها مع كون المكلم إياها الروح المتمثل بناء على ما تقدم أن خطاب الملائكة وخطاب الروح وكلامهم كلام اللّه سبحانه فقد كانت تعلم أن الذي يكلمها هو اللّه سبحانه وإن كان الخطاب متوجها إليها من جهة الروح المتمثل أو الملائكة ولذلك خاطبت ربها . ويمكن أن يكون الكلام من قبيل قوله تعالى : قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ( المؤمنون / 99 ) ، فهو من الاستغاثة المعترضة في الكلام . قوله سبحانه : قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ قد مرت الإشارة إلى أن تطبيق هذا الجواب بما في سورة مريم من قوله : قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا ( مريم / 21 ) ، يفيد أن يكون قوله هاهنا : كذلك كلاما تاما تقديره : الأمر كذلك ومعناه أن الذي بشرت به أمر مقضي لا مرد له . وأما التعجب من هذا الأمر فإنما يصح لو كان هذا الأمر مما لا يقدر عليه اللّه سبحانه أو يشق : أما القدرة فإن قدرته غير محدودة يفعل ما يشاء ، وأما صعوبته ومشقته فإن العسر